عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
392
اللباب في علوم الكتاب
وروي عن الجحدري كذلك ، وروي عنه كسر الميم « 1 » وسكون الثاء ورفع اللّام وجرّ « القوم » وهذه القراءة المنسوبة لهؤلاء الجماعة تحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون « ساء » للتّعجب ، مبنيّة تقديرا على « فعل » بضمّ العين كقولهم : لقضو الرجل ، و « مثل القوم » فاعل بها ، والتقدير : ما أسوأ مثل القوم ، والموصول على هذا في محل جر ، نعتا ل « قوم » . والثاني : أنّها بمعنى « بئس » و « مثل القوم » فاعل ، والموصول على هذا في محلّ رفع ؛ لأنه المخصوص بالذّمّ ، وعلى هذا فلا بد من حذف مضاف ، ليتصادق الفاعل والمخصوص على شيء واحد ، والتقدير : ساء مثل القوم مثل الذين ، وقدّر أبو حيان تمييزا في هذه القراءة وفيه نظر ؛ إذ لا يحتاج إلى تمييز ، إذا كان الفاعل ظاهرا ، حتّى جعلوا الجمع بينهما ضرورة ، كقول الشّاعر : [ الوافر ] 2624 - تزوّد مثل زاد أبيك فينا * فنعم الزّاد زاد أبيك زادا « 2 » وفي المسألة ثلاثة مذاهب : الجواز مطلقا ، والمنع مطلقا ، والتّفصيل ، فإن كان مغايرا في اللّفظ ومفيدا فائدة جديدة جاز نحو : نعم الرّجل شجاعا زيد ؛ وعليه قوله : [ الوافر ] 2625 - تخيّره ولم يعدل سواه * فنعم المرء من رجل تهامي « 3 » فصل [ في شرح الآيات ] قال اللّيث : ساء يسوء : فعل لازم ومتعد ، يقال : ساء الشّيء يسوء فهو سيّىء وساءه يسوءه مساءة ، إذا قبح . فإن قيل : ظاهر قوله : « ساء مثلا » يقتضي كون ذلك المثل موصوفا بالسّوء ، وذلك غير جائز ؛ لأن هذا المثل ذكره اللّه تعالى ، فكيف يكون موصوفا بالسّوء ؟ وأيضا فهو يفيد الزجر عن الكفر والدّعوة إلى الإيمان ، فكيف يكون موصوفا بالسّوء ؟ فالجواب : أنّ الموصوف بالسّوء ما أفاده المثل من تكذيبهم بآيات اللّه وإعراضهم عنها ، حتّى صاروا في التمثيل بذلك بمنزلة الكلب اللّاهث .
--> ( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 479 ، والبحر المحيط 4 / 424 ، والدر المصون 3 / 373 . ( 2 ) البيت لجرير : ينظر ديوانه ( 117 ) ، المقتضب 2 / 148 ، المفصل لابن يعيش 7 / 132 ، الخصائص 1 / 83 ، الخزانة 9 / 394 ، الأشموني 2 / 203 ، المقرب ( 73 ) ابن عقيل 2 / 130 ، العيني 4 / 30 ، الدر المصون 3 / 374 . ( 3 ) البيت لأبي بكر بن الأسود . ينظر : المقرب 1 / 69 ، وشرح المفصل 7 / 133 ، والهمع 2 / 86 ، والتصريح 1 / 399 ، والدرر 5 / 227 ، وأوضح المسالك 2 / 360 ، وخزانة الأدب 9 / 395 ، وشرح الأشموني 1 / 265 ، والدر المصون 3 / 374 .